حرية الراي والتعبير من منظور حقوق الانسان
إن الإنسان يتطوق بطبيعته إلى معرفة الحقيقة وهو - بطبيعته أيضا- يميل إلى التصرف وفقا لما تتضمنه هذه الحقيقة فإذا ما أحجبنا رأياً عن الناس، فقد يكون في ذلك حجب للحقيقة حتى إذ كان الرأي خاطئاً فإنه قد يحمل أثر من الحقيقة يساعد في الوصول إليها.
وقد كافح الإنسان طويلا من أجل تأكيد حرياته الأساسية وناضل المفكرون قرونا ليضعوا الأسس النظرية لحريات الإنسان وحقوقه ونجح كفاح الإنسان في تحقيق الفوز لنضال المفكرين وتكلل هذا النصر الإنساني بتسجيل الحريات الأساسية للبشر في عهود ومواثيق خالدة كانت ولا تزال نبراسا لكل المجتمعات التي شاءت أن تسلك طريق الديمقراطية لكي تقتبس منها وتجعلها – تلك المواثيق والإعلانات - بعض مكونات تشريعاتها.
وكانت حرية الرأي والتعبير موضع تأكيد خاص في مختلف المواثيق التي سجلت حريات الإنسان ، لكونها حرية متميزة، فهي تدعم الحريات الأخرى وتحميها بل أن حرية الرأي والتعبير لها جانبا أخلاقياً عندما يتعلق الأمر بالفكر، فالإنسان الذي تؤرقه أو تشغله فكرة ما لا يرغب في التعبير عنها فحسب ، ولكن ينبغي أن يفعل ذلك .
و مثلما اوضحنا حظيت حرية الراي و التعبير بمكانة خاصة في كافة المواثيق و العهود الدولية الخاصة بالحقوق و الحريات . قد اكد اعلان الحقوق " المملكة المتحدة 1688 " على أن حرية التعبير عن الرأي وحرية المناقشة والجدل وكذلك حرية الكلام والحوار داخل البرلمان يجب ألا تمس أو تكون موضع مساءلة ، و كان هذا الاعلان بمثابة الخطوة الاولى نحو منظومة متكاملة لحرية الراي و العبير فبعد مرور ما يقرب من مائة عام و تحديدا في عام 1789 صدر اعلان حقوق الانسان و المواطن بفرنسا
و لاذي يعد منظومة متكاملة لعدد من المبادئ التي تقوم على أساسها حكومة دستورية تؤمن بسيادة القانون.
و قد نصت المادة الحادية عشر من هذا الإعلان على أنه "لما كانت حرية بث الأفكار والآراء من أغلى حريات الإنسان ، فإن لكل مواطن الحق فى التعبير عن رأيه أو فكرة أو كتابته ونشره بحرية".
و يعد هذا الاعلان نقلة نوعية فيما يخص حقوق الانسان بصفة عامة و حرية الراي و التعبير فبعد ما اعتبر الاعلان الانجليزي للحقوق ان حرية الراي و التعبير منحة لاعضاء البرلمان الانجليزي يأتي الاعلان الفرنسي بعد مائة عام _ و هي فترة ليست بكبيرة في تاريخ نضال الشعوب _ ليعلن ان حرية الراي و التعبير هي حق اصيل لكل كواطن و ليست منحة او هبة لفئة بعينها دون الاخرى.
و مما يدلل على وجهة النظر تلك انه بعد مرور ثلاثة اعوام صدر اعلان الحقوق الامريكي في عام 1791 م ، و الذي نص في صدر مادته الأولي على أنه ليس للكونجرس أن يصدر تشريعاً يمس حرية الرأي والتعبير أو حرية الصحافة أو حق الناس أن يجتمعوا في سلام وأن يرفعوا صوتهم الى الحكومة للمطالبة برفع ظلم أو إقرار حقه.
و لكن من الملاحظ ان كافة الاعلانات السابقة كانت ذات طابع اقليمي على الرغم من انتشار مبادئها على المستوى الدولي الا ان وضعية حرية الراي و التعبير لم تكتسب الطابع الدولي الخاص بها الا بعد صدور الاعلان العالمي لحقوق الإنسان في العاشر من ديسمبر1948 الذي شاركت مصر في وضعه.
و قد اكد الاعلان العالمي في متن نص المادة (19) منه على أن " لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير ، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة ، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين ، بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود" .
وفي أعقاب ذلك ، صدر العهد الدولى الخاص بالحقوق المدنية والسياسية عام 1966 والذي جاء في مادته (19) ما نصه :
1- لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة.
2- لكل إنسان حق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق حريته التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها.
3- تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة (2) من هذه المادة واجبات ومسؤوليات خاصة. وعلى ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود ولكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون وأن تكون ضرورية:
( أ ) احترام حقوق الآخرين أو سمعتهم،
(ب) لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة.على أهمية حرية الرأي والتعبير وتناقل المعلومات والحصول عليها بشتى الصور وبكافة الطرق دون التقييد بحدود جغرافية أو دون وضع أية قيود عليها.
حقيقة الأمر أن المادة سالفة الذكر لا تختلف عن نظيرتها الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلا فيما يتعلق بالفقرة الثالثة، والتي تخلص منها فكرة الحرية المسئولة ، حيث تكون المسئولية هي الوجه الآخر للحرية ، إذ أنه لا حرية مطلقة وإنما هناك حرية منضبطة بالمسؤولية ، حرية تواجهها مسئولية ،فالإنسان مسئول بقدر ما هو حر ، و لا يمكن التذرع بنص تلك الفقرة لفرض قيودا مطلقة على حرية الرأي و التعبير فنص الفقرة الثالثة متى اجاز اخضاع حرية الراي و التعبير لبعض القيود و قد عني هنا بقيود تنظيمية و إجرائية و لم يقصد من تلك الفقرة إباحة فرض قيود على حرية الرأي و التعبير تحول و التمتع بهذا الحق و الذي يدور في فلكه العديد من الحريات الأخرى و التى لا يمكن التمتع بها متى فرضت قيودا تعوق التمتع بحرية الرأي و التعبير.
الدستور المصري وحرية الرأي والتعبير:0
أما بالنسبة للدستور المصري فقد نص في مادته (47) على أن "حرية الرأي مكفولة، ولكل إنسان التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير في حدود القانون، والنقد الذاتي والنقد البناء ضمان لسلامة البناء الوطني ". ولكون حرية الصحافة رافداً من روافد حرية الرأي، فقد نصت المادة (48) من الدستور على أن "حرية الصحافة والطباعة والنشر ووسائل الإعلام مكفولة، والرقابة على الصحف محظورة وإنذارها أو وقفها أو إلغاؤها بالطريق الإداري محظور، ويجوز استثناء في حالة الطوارئ أو زمن الحرب أن يفرض على الصحف والمطبوعات ووسائل الإعلام رقابة محددة في الأمور التي تتصل بالسلامة العامة أو أغراض الأمن القومي، وذلك كله وفقاً للقانون ".
و يلاحظ أن نص المادة 48 تقترب أكثر من نص المادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، ونفس الأمر ينطبق على أحكام الفصل الثاني من الباب السابع من الدستور تحت عنوان "سلطة الصحافة"
وعليه فإننا نجد أن الدستور المصري لم يبتعد كثيراً عما أقرته المواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان بل يمكننا القول – وبحق- بان المشرع الدستوري قد تأثر كثيراً بتلك المواثيق – يمكن رد هذا إلى عدده أسباب لعل أهمها هو اشتراك مصر في صياغة بنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وصدور الدستور المصري عقب ظهور تلك المواثيق.
وهنا يثار تساؤل هام وهو إذ ما كان الدستور المصري يقترب كثيراً من المواثيق الدولية التي نظمت حرية الرأي والتعبير فما هي الأسباب التي أدت إلى انتكاس وانتهاك تلك الحرية أذن؟
وللإجابة على هذا التساؤل يجب علينا أن نردد سوياً نص م 47، 48 من الدستور.
فكل من المادتين وضعت عبارة أو أكثر كانت هي السبب في الوضع المتدهور الحالي لحرية الرأي والتعبير في مصر.
فقد قررت المادة 47 حرية الرأى والتعبير وكفلتهما لكل مواطن وأعقبت كل هذا بمقوله واحدة وهى" في حدود القانون" وأصبحت تلك الكلمة هي المفتاح السحري لانتهاكات حرية الرأي والتعبير في مصر. وتضافر معها عبارة أخري مطاطة تتسع لأي انتهاك وهي "ضمان سلام الوطن" تلك العبارتين كونا معاً المطرقة والسندان التي وضعت بينهما حرية الرأي والتعبير.
فبناء غليهما سن المشرع المصري العديد من القوانين المقيدة لحرية الرأي والتعبير بحجة حماية سلامة وامن الوطن.وينطبق ذات القول على المادة 48 من الدستور المصري والتى كفلت حرية الصحافة والطباعة والنشر ثم حظرت الرقابة على الصحف أو إلغاؤها أو حتى وقفها ونأتي للعبارة التى هدمت كل تلك الحقوق وهي الاستثناء الوارد في ختام تلك المادة والتي أجازت وضع رقابة على الصحف وإصداراتها في حالة الطوارئ أو في زمن الحروب في الأمور التي تتصل بالسلامة العامة أو أغراض الأمن القومي وكل ذلك وفقا للقانون.
وباختصار شديد نخلص بأن أسباب تدهور حرية الرأي والتعبير في مصر يرجع لسببين لا ثالث لهما.
1- خول الدستور للمشرع العادي سن قوانين تنظيم حرية الرأي والتعبير وترك الأمر برمته بين يديه يقيد منها ما يشاء ويسمح بما يشاء فكان عيب الصياغة هذه وقصور النص الدستوري أحد أهم تلك الأسباب. وكان الاحرى بالمشرع الدستوري أن يحدد في متن ذات النص الأسباب التي يجوز فيها وضع بعض الضوابط لممارسته حرية الرأي والتعبير وان تكون تلك الضوابط على سبيل الحصر لا المثال وأن يترك للمشرع العادي طرق تنظيم التمتع بذلك الحق دون تقيده ويكون الأصل في التمتع وضوابطه هو النص[1] الدستوري وليس النص التشريعي العادي.
2- استمرار حالة الطوارئ التي تجيز فرض رقابة على الصحف والتدخل في شئونها وإلغاؤها أو وقفها إلى أخر النص فتعد حالة الطوارئ تلك دوامة الحريات في مصر فعن طريقها قتلت كافة الحريات التي نص عليها الدستور المصري.
[1] وللمزيد من المعلومات راجع الدستور الذي نطالب به صادر عن اللجنة الشعبية للإصلاح الدستوري
وقد كافح الإنسان طويلا من أجل تأكيد حرياته الأساسية وناضل المفكرون قرونا ليضعوا الأسس النظرية لحريات الإنسان وحقوقه ونجح كفاح الإنسان في تحقيق الفوز لنضال المفكرين وتكلل هذا النصر الإنساني بتسجيل الحريات الأساسية للبشر في عهود ومواثيق خالدة كانت ولا تزال نبراسا لكل المجتمعات التي شاءت أن تسلك طريق الديمقراطية لكي تقتبس منها وتجعلها – تلك المواثيق والإعلانات - بعض مكونات تشريعاتها.
وكانت حرية الرأي والتعبير موضع تأكيد خاص في مختلف المواثيق التي سجلت حريات الإنسان ، لكونها حرية متميزة، فهي تدعم الحريات الأخرى وتحميها بل أن حرية الرأي والتعبير لها جانبا أخلاقياً عندما يتعلق الأمر بالفكر، فالإنسان الذي تؤرقه أو تشغله فكرة ما لا يرغب في التعبير عنها فحسب ، ولكن ينبغي أن يفعل ذلك .
و مثلما اوضحنا حظيت حرية الراي و التعبير بمكانة خاصة في كافة المواثيق و العهود الدولية الخاصة بالحقوق و الحريات . قد اكد اعلان الحقوق " المملكة المتحدة 1688 " على أن حرية التعبير عن الرأي وحرية المناقشة والجدل وكذلك حرية الكلام والحوار داخل البرلمان يجب ألا تمس أو تكون موضع مساءلة ، و كان هذا الاعلان بمثابة الخطوة الاولى نحو منظومة متكاملة لحرية الراي و العبير فبعد مرور ما يقرب من مائة عام و تحديدا في عام 1789 صدر اعلان حقوق الانسان و المواطن بفرنسا
و لاذي يعد منظومة متكاملة لعدد من المبادئ التي تقوم على أساسها حكومة دستورية تؤمن بسيادة القانون.
و قد نصت المادة الحادية عشر من هذا الإعلان على أنه "لما كانت حرية بث الأفكار والآراء من أغلى حريات الإنسان ، فإن لكل مواطن الحق فى التعبير عن رأيه أو فكرة أو كتابته ونشره بحرية".
و يعد هذا الاعلان نقلة نوعية فيما يخص حقوق الانسان بصفة عامة و حرية الراي و التعبير فبعد ما اعتبر الاعلان الانجليزي للحقوق ان حرية الراي و التعبير منحة لاعضاء البرلمان الانجليزي يأتي الاعلان الفرنسي بعد مائة عام _ و هي فترة ليست بكبيرة في تاريخ نضال الشعوب _ ليعلن ان حرية الراي و التعبير هي حق اصيل لكل كواطن و ليست منحة او هبة لفئة بعينها دون الاخرى.
و مما يدلل على وجهة النظر تلك انه بعد مرور ثلاثة اعوام صدر اعلان الحقوق الامريكي في عام 1791 م ، و الذي نص في صدر مادته الأولي على أنه ليس للكونجرس أن يصدر تشريعاً يمس حرية الرأي والتعبير أو حرية الصحافة أو حق الناس أن يجتمعوا في سلام وأن يرفعوا صوتهم الى الحكومة للمطالبة برفع ظلم أو إقرار حقه.
و لكن من الملاحظ ان كافة الاعلانات السابقة كانت ذات طابع اقليمي على الرغم من انتشار مبادئها على المستوى الدولي الا ان وضعية حرية الراي و التعبير لم تكتسب الطابع الدولي الخاص بها الا بعد صدور الاعلان العالمي لحقوق الإنسان في العاشر من ديسمبر1948 الذي شاركت مصر في وضعه.
و قد اكد الاعلان العالمي في متن نص المادة (19) منه على أن " لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير ، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة ، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين ، بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود" .
وفي أعقاب ذلك ، صدر العهد الدولى الخاص بالحقوق المدنية والسياسية عام 1966 والذي جاء في مادته (19) ما نصه :
1- لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة.
2- لكل إنسان حق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق حريته التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها.
3- تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة (2) من هذه المادة واجبات ومسؤوليات خاصة. وعلى ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود ولكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون وأن تكون ضرورية:
( أ ) احترام حقوق الآخرين أو سمعتهم،
(ب) لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة.على أهمية حرية الرأي والتعبير وتناقل المعلومات والحصول عليها بشتى الصور وبكافة الطرق دون التقييد بحدود جغرافية أو دون وضع أية قيود عليها.
حقيقة الأمر أن المادة سالفة الذكر لا تختلف عن نظيرتها الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلا فيما يتعلق بالفقرة الثالثة، والتي تخلص منها فكرة الحرية المسئولة ، حيث تكون المسئولية هي الوجه الآخر للحرية ، إذ أنه لا حرية مطلقة وإنما هناك حرية منضبطة بالمسؤولية ، حرية تواجهها مسئولية ،فالإنسان مسئول بقدر ما هو حر ، و لا يمكن التذرع بنص تلك الفقرة لفرض قيودا مطلقة على حرية الرأي و التعبير فنص الفقرة الثالثة متى اجاز اخضاع حرية الراي و التعبير لبعض القيود و قد عني هنا بقيود تنظيمية و إجرائية و لم يقصد من تلك الفقرة إباحة فرض قيود على حرية الرأي و التعبير تحول و التمتع بهذا الحق و الذي يدور في فلكه العديد من الحريات الأخرى و التى لا يمكن التمتع بها متى فرضت قيودا تعوق التمتع بحرية الرأي و التعبير.
الدستور المصري وحرية الرأي والتعبير:0
أما بالنسبة للدستور المصري فقد نص في مادته (47) على أن "حرية الرأي مكفولة، ولكل إنسان التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير في حدود القانون، والنقد الذاتي والنقد البناء ضمان لسلامة البناء الوطني ". ولكون حرية الصحافة رافداً من روافد حرية الرأي، فقد نصت المادة (48) من الدستور على أن "حرية الصحافة والطباعة والنشر ووسائل الإعلام مكفولة، والرقابة على الصحف محظورة وإنذارها أو وقفها أو إلغاؤها بالطريق الإداري محظور، ويجوز استثناء في حالة الطوارئ أو زمن الحرب أن يفرض على الصحف والمطبوعات ووسائل الإعلام رقابة محددة في الأمور التي تتصل بالسلامة العامة أو أغراض الأمن القومي، وذلك كله وفقاً للقانون ".
و يلاحظ أن نص المادة 48 تقترب أكثر من نص المادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، ونفس الأمر ينطبق على أحكام الفصل الثاني من الباب السابع من الدستور تحت عنوان "سلطة الصحافة"
وعليه فإننا نجد أن الدستور المصري لم يبتعد كثيراً عما أقرته المواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان بل يمكننا القول – وبحق- بان المشرع الدستوري قد تأثر كثيراً بتلك المواثيق – يمكن رد هذا إلى عدده أسباب لعل أهمها هو اشتراك مصر في صياغة بنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وصدور الدستور المصري عقب ظهور تلك المواثيق.
وهنا يثار تساؤل هام وهو إذ ما كان الدستور المصري يقترب كثيراً من المواثيق الدولية التي نظمت حرية الرأي والتعبير فما هي الأسباب التي أدت إلى انتكاس وانتهاك تلك الحرية أذن؟
وللإجابة على هذا التساؤل يجب علينا أن نردد سوياً نص م 47، 48 من الدستور.
فكل من المادتين وضعت عبارة أو أكثر كانت هي السبب في الوضع المتدهور الحالي لحرية الرأي والتعبير في مصر.
فقد قررت المادة 47 حرية الرأى والتعبير وكفلتهما لكل مواطن وأعقبت كل هذا بمقوله واحدة وهى" في حدود القانون" وأصبحت تلك الكلمة هي المفتاح السحري لانتهاكات حرية الرأي والتعبير في مصر. وتضافر معها عبارة أخري مطاطة تتسع لأي انتهاك وهي "ضمان سلام الوطن" تلك العبارتين كونا معاً المطرقة والسندان التي وضعت بينهما حرية الرأي والتعبير.
فبناء غليهما سن المشرع المصري العديد من القوانين المقيدة لحرية الرأي والتعبير بحجة حماية سلامة وامن الوطن.وينطبق ذات القول على المادة 48 من الدستور المصري والتى كفلت حرية الصحافة والطباعة والنشر ثم حظرت الرقابة على الصحف أو إلغاؤها أو حتى وقفها ونأتي للعبارة التى هدمت كل تلك الحقوق وهي الاستثناء الوارد في ختام تلك المادة والتي أجازت وضع رقابة على الصحف وإصداراتها في حالة الطوارئ أو في زمن الحروب في الأمور التي تتصل بالسلامة العامة أو أغراض الأمن القومي وكل ذلك وفقا للقانون.
وباختصار شديد نخلص بأن أسباب تدهور حرية الرأي والتعبير في مصر يرجع لسببين لا ثالث لهما.
1- خول الدستور للمشرع العادي سن قوانين تنظيم حرية الرأي والتعبير وترك الأمر برمته بين يديه يقيد منها ما يشاء ويسمح بما يشاء فكان عيب الصياغة هذه وقصور النص الدستوري أحد أهم تلك الأسباب. وكان الاحرى بالمشرع الدستوري أن يحدد في متن ذات النص الأسباب التي يجوز فيها وضع بعض الضوابط لممارسته حرية الرأي والتعبير وان تكون تلك الضوابط على سبيل الحصر لا المثال وأن يترك للمشرع العادي طرق تنظيم التمتع بذلك الحق دون تقيده ويكون الأصل في التمتع وضوابطه هو النص[1] الدستوري وليس النص التشريعي العادي.
2- استمرار حالة الطوارئ التي تجيز فرض رقابة على الصحف والتدخل في شئونها وإلغاؤها أو وقفها إلى أخر النص فتعد حالة الطوارئ تلك دوامة الحريات في مصر فعن طريقها قتلت كافة الحريات التي نص عليها الدستور المصري.
[1] وللمزيد من المعلومات راجع الدستور الذي نطالب به صادر عن اللجنة الشعبية للإصلاح الدستوري
بحث واعداد
ياسر سامي
المحامي
ناشط حقوق للدفاع عن قضايا حقوق الانسان
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق